في الحقيقة أهنؤك أخي العزيز حفيظ لاختيارك هذا الموضوع بالضبط للنقاش، ولقد كان هذا الأمر يحيرني، ومن نفسي أنا من محبي الاستماع للموسيقى خصوصا الصامتة او تلك الأغاني والأناسيد التي لا تغري بل تروح عن النفس وفي الغالب أتيه معها في رحلة النفس متأملا في أمور قد لا أتامل فيها مع غير الموسيقى.. في نقاشي هذا لن أدافع عن طبعي، لكن تعودت على المنطق وأؤمن بان الإسلام لا يمكن أن يحرم إلا ما فيه ضرر، وانا شخصيا أكره التطرف في كل الأشياء، على اعتبار ان ديننا وسط، وطبعا لن يشاد الدين أحد إلا غلبه..
عند قراءة للموضوع لم تكن معي أدلة شرعية على تحليل أو تحريم الموسيقى والغناء، وإنما أسمعها لأنني أعلم بان الأعمال بالنيات، فأنا لم أسمعها قط لإثارة غريزة في، بل أسمعها كما أسلفت..
خلوي من الدلائل الشرعية، واعتمادي على الأمور المنطقية في الإسلام، دفعني لكي أبحث في هذا الأمر لأرى إلى أي حد يتفق منطقي مع ديننا الحنيف وكان أملي كبير ألا أكون قد كنت آثما..
المهم، تهت في عالم النت أبحث عن حكم الموسيقى في الإسلام، فاحترت لكوني وجدت إما من يحرمها قطعا، بل هناك من حرم كل موسيقى بأنواعها حتى تلك المصاحبة للأناشيد وجعل أصحابها آثمين!! وهناك من أباحها وكلا الفريقين له أدلته الشرعية، وهنا تساءلت: أين هو الحق إذن؟؟
استمرت رحلة بحثي إلى أن هداني الله إلى موقع الشيخ القرضاوي (ولم أكن أبدا منحازا له أو لأي شيخ آخر إنما أتبع العقل دوما)، ولا اخفي عليكم أنني ارتحت ليس للحكم الذي أورده، بل للطريقة التي يناقش بها الأمور فهي تدخل كل عقل سليم..(آمل أن تقرأؤوا ردي كاملا للفائدة)
يقول الشيخ القرضاوي:
اقتباس:
ما حكم الإسلام في الغناء والموسيقى ؟
سؤال يتردد على ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة و أحيان شتى .
سؤال اختلاف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه ، و اختلاف سلوكهم تبعاً لاختلاف أجوبتهم ، فمنهم من يفتح أذنية لكل نوع من أنواع الغناء ، و لكل لون من ألوان الموسيقي مدعياً أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة أباح الله لعباده .
و منهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنية عند سماع أية أغنية قائلاً : إن الغناء مزمار الشيطان ، و لهو الحديث و يصد عن ذكر الله و عن الصلاة و خاصة إذا كان المغني امرأة ، فالمرأة – عندهم – صوتها عورة بغير الغناء ، فكيف بالغناء ؟ و يستدلون لذلك بآيات و أحاديث و أقوال .
و من هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقى ، حتى المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار .
ووقف فرين ثالث متردداً بين الفريقين ؛ ينحاز إلى هؤلاء تارة ، وإلى أولئك طوراً ، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير ، الذي يتعلق بعواطف الناس و حياتهم اليومية ، و خصوصاً بعد أن دخلت الإذاعة – المسموعة والمرئية – على الناس بيوتهم ، بجدها و هزلها ، و جذبت إليها أسماعهم بأغانيها و موسيقاها طوعاً و كرهاً .
طبعا أحسست بأنه يوجه الكلام إلي شخصيا حينما ذكر الفئة التي بقيت حائرة، كما ارتحت لطريقته كما قلت لكم لأن التسلسل الذي يتبعه معتدل ومنطقي..
وبعد كلام قصير وكمقدمة يواصل القرضاوي قائلا:
اقتباس:
و لأهمية الموضوع نرى لزاماً علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل ، و نلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة ، حتى يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام ، متبعاً للدليل الناصع ، لا مقلداً قول قائل ، و بذلك يكون على بينة من أمره ، و بصيرة من دينه .
إذن نحن ننتظر ما سيقوله شيخنا القرضاوي حول هذا الأمر، ولذلك يواصل قائلا (والكلام دائما للشيخ القرضاوي):
اقتباس:
الأصل في الأشياء الإباحة
قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالى : (هوَ الَذِي خَلَقَ لَكم مَا فِي الُأَرُضِ جَمِيعَاَ) (البقرة (2) )، و لا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله ( صلي الله عليه و آله و سلم )، أو إجماع ثابت متيقن ، فإذا لم يرد نص ولا إجماع . أو ورد نص صريح غير صحيح ، أو صحيح غير صحيح ، بتحريم شيء من الأشياء ، لم يؤثر ذلك في حله ، و بقي في دائرة العفو الواسعة ، قال تعالى: ( وَقَدُ فَصَلَ لَكم مَا حَرَمَ عَلَيُكمُ إِلَا مَا اضُطرِرُتمُ إِلَيُهِ) (الأنعام (119)). و قال رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) : « ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، و ما حرم فهو حرام ، و ما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً » ، و تلا : ( وَ مَا كَانَ رَبكَ نَسِيَاَ (رواه الحاكم عن أبي الدر داء و صححه ، و أخرجه البزّار – و الآية من سورة مريم(64) ) .
و قال : « إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، و سكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » (أخرجه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني ، و حسنه الحافظ أبو بكر ا لسمعا ني في أماليه ، والنووي في الأربعين .).
و إذ كانت هذه هي القاعدة ، فما هي النصوص و الأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء ، و ما موقف المجيزين منها ؟
وبعد ذلك ينتقل بنا الشيخ القرضاوي إلى الفريق الذي يحرم الموسيقى والغناء ليناقش الأدلة الشرعية التي يعتمدونها، وأغلب من حرم وحسب ما جاء به القرضاوي وأيضا حسب ما وجدت في العديد من الصفحات، هو قوله تعالى:"وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوِ الحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا أولَيكَ لَهمُ عَذَاب مهِين" سورة لقمان الآية 6، وفي هذا الصدد يقول الشيخ القرضاوي بخصوص أدلة المحرمين للغناء بهذه الآية:
اقتباس:
استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود و ابن عباس و بعض التابعين : أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالى : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوِ الحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلِ الَلهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا أولَيكَ لَهمُ عَذَاب مهِين) لقمان (6) ) ؛ و فسروا لهو الحديث بالغناء .
قال ابن حزم : « ولا حجة في هذا لوجوه:
أحدها: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم).
و الثاني: أنه قر خالف غير هم من الصاحبة و التابعين .
والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها ؛ لأن فيها : ( وَ مِنَ النَاسِ مَن يَشُتَرِي لَهُوَ الُحَدِيثِ لِيضِلَّ عَن سَبِيلَ اللَهِ بِغَيُرِ عِلُمِ وَ يَتَّخِذَهَا هزوًا ) ، و هذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف ، إذا اتخذ سبيل الله هزواً .
قال : « و لو أن امرءاً اشترى مصحفاً ليضل به عن سبيل الله ، و يتخذه هزواً ، لكان كافراً ! فهذا هو الذي ذم الله تعالى ، و ما ذم قط – عز و جل – من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح نفسه ، لا ليضل عن سبيل الله تعالى . فبطل تعلقهم بفول هؤلاء ، و كذلك من اشتغل عامداً عن الصلاة بقراءة القرآن ،أو بقراءة السنن ، أو بحديث يتحدث به ، أو بغناء ، أو بغير ذلك ، فهو فساق عاص لله تعالى ، و من لم يضيع شيئاً من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن » (المحلى لابن حزم : 9/60 ).
ثم يناقش الشيخ القرضاوي المحرمين لاستدلالهم بقوله عز وجل: "وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه وَقَالواُ لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلَم عَلَيُكمُ لَا نَبُتَغِي الُجَاهِلِيُنَ " سورة القصص، الآية 55، وكرد عليهم يقول القرضاوي:
اقتباس:
و استدلوا(يعني المحرمين) بقوله تعالى في مدح المؤمنين: ( وَ إِذَا سَمِعواُ اللّغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه ) القصص(55) ، و الغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه .
و يجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو : سفه القول من السب والشتم و نحو ذلك ، و بقية الآية تنطق بذلك . قال تعالى : ( وَ إِذَا سَمِعوُاُ اللَغُوَ أَعُرَضواُ عَنُه وَقَالواُ لَنا أَعُمَالنَا وَلَكمُ أَعُمَالَكمُ سَلَم عَلَيُكمُ لَا نَبُتَغِي الُجَاهِلِيُنَ ) القصص (55) ، فهي شبيهة بقوله تعالى في وصف عباد الرحمن : ( وَ إِذَا خَاطَبَهم الُجَاهِلونَ قَالواُ سَلَمَا) الفرقان (63).
و لو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه تمدحه ،و ليس فيها ما يوجب ذلك.
و كلمة «اللغو » ككلمة « الباطل » تعني ما لا فائدة فيه ، و سماع ما لا فائدة فيه ليس محرماً ما لم يضيع حقاً ، أو يشغل عن واجب.
روي عن ابن جريج : أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيمة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات و لا في السيئات ؛ لأنه شبيه باللغو ، قال تعالى : (لا يؤَخِذ كم اللَه بِالَلغُو ِفِي أَيُمَانَكمُ ) (البقرة : 225 ، المائدة : 89.).
ثم ينتقل لمناقشة الأحاديث التي استدل بها فريق المحرمين، وحتى لا أطيل عليكم إليكم الخلاصة حسب القرضاوي:
اقتباس:
و الخلاصة
أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح ، أو صريح غير صحيح . و لم يسلم حديث واحد مرفوع إلى رسول الله ( صلي الله عليه وآل وسلم ) يصلح دليلاً للتحريم ، و كل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية و المالكية و الحنابلة و الشافعية.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب « الأحكام » : لم يصح في التحريم شيء.
و كذا قال الغزالي و ابن النحوي في العمدة .
و قال ابن طاهر في كتابه في « السماع » : لم يصح منها حرف واحد .
و قال ابن حزم : « و لا يصح في هذا الباب شيء ، و كل ما فيه فموضوع . و والله لو أسند جمعية ، أو واحد منه فأكثر ، من طريق الثقات إلى رسول الله ( صلي الله عليه و آل و سلم ) ، لما ترددنا في الأخذ به » (انظر « المحلى » : 9/59.).
ثم ينتقل الشيخ القرضاوي إلى مناقشة الفئة التي تجيز الغناء، وهذه المقدمة:
اقتباس:
أدلة المجيزين للغناء
تلك هي أدلة المحرمين ، قد سقطت واحداً بعد الآخر ، و لم يقف دليل منها على قدميه . و إذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء على أصل الإباحة بلا شك ، و لو لم يكن معنا نص أو دليل واحد على ذلك غير سوط أدلة التحريم . فكيف و معنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة ، وروحه السمحة ، و قواعده العامة ، و مبادئه الكلية ؟
وفي مناقشته لأدلة المجيزين، يسردها حسب الترتيب التلي:
- أولا: من حيث النصوص.
- ثانيا: من حيث روح الإسلام وقواعده
ثم يتحدث ودائما في كتابه المعنون ب" الإسلام والفن" المنشور في موقعه، يتحدث عن القائلين بإجازة الغناء وعن قيود وشروط يجب مراعاتها وعن الغناء والطرب في واقع المسلمين، ثم يجيب عن السؤال: "لم شدد المتأخرون في أمر الغناء" قائلا:
اقتباس:
يلاحظ أن المتأخرين من أهل الفقه أكثر تشديداً في منع الغناء - و خصوصاً مع الآلات – من الفقهاء المتقدمين . و ذلك لأسباب :
الأخذ بالأحوط لا الأيسر
1- إن المتقدمين كانوا أكثر أخذاً بالأيسر ، و المتأخرين أكثر أخذاً بالأحوط ، و الأحوط يعني : الأثقل و الأشد . و من تتبع الخط البياني للفقه و الفتوى منذ عهد الصحابة فمن بعدهم يجد ذلك واضحاً ، و الأمثلة عليه لا تحصر.
الاغترار بالأحاديث الضعيفة و الموضوعة :
2- إن كثيراً ك الفقهاء المتأخرين أرهبهم سيل الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، التي امتلأت بها الكتب ، و لم يكونوا من أهل تمحيص الروايات ، و تحقيق الأسانيد ، فراجت لديهم هذه الأحاديث ، و لا سيما مع شيوع القول بأن تعدد الطرق الضعيفة يقوي بعضها بعضاً.
ضغط الواقع الغنائي
2- ضغط الواقع الغنائي بما يلا بسه من انحراف و تجاوز ، كان له أثره في ترجيح المنع و التحريم . و هذا الواقع له صورتان أثرت كل واحدة منهما على جماعة من الفقهاء .
وحتى لا يظن البعض بأن الشيخ القرضاوي يحججه هذه يدافع عن ما نراه اليوم من أغاني المجون التي لا يقبل العقل ولا المنطق بأن تكون خلال فبالأحرى الدين، فإنه يتطرق لمختلف أنواع الغناء فيقول:
اقتباس:
غناء المجون و الخلاعة
الصورة الأولى : صورة « الغناء الماجن » الذي غدا جزءاً لا يتجزأ من حياة الطبقة المترفة ، التي غرقت في الملذات ، و أضاعت الصلوات ، و اتبعت الشهوات ، و اختلط فيها الغناء بملابسة الفجور ، و شرب الخمور ، و قول الزور ، و تلاعب الجواري الحسان المغنيات ( القيان ) بعقول الحضور ، كما شاع ذلك في حقب معروفة في العصر العباسي .
و كان سماع الغناء يقتضي شهود هذه المجالس بما فيها من خلاعة ومجانة و فسوق عن أمر الله .
و من المؤسف أن البيئة الفنية – كما يمونها اليوم – لا زالت مشربة بهذه الروح ، ملوثة بهذا الوباء . و هذا ما يضطر كل عائد إلى الله ، من الفنانين و الفنانات – الذين أكرمهم الله بالهداية و التوبة – أن نسحب من ذلك الوسط ، ويفر بدينه بعيداً عنه .
من كل ما سبق يتضح بان التشدد في تحريم الموسيقى أمر لا يسلم من خطأ، كما أن إباحة كل أنواعها أمر أكثر ضررا من تحريمها كلها، وإنما انا أرى والله الأعلم أن ديننا يسر، وإنما الأعمال بالنيات، ولا يمكنني أن أناقش هذا الأمر وأحيطه من مختلف جوانبه كما ناقشه الشيخ القرضاوي في كتابه "الإسلام والفن" المنشور في موقعه الذي استقيت لكم منه ما قرأتم، وكما قلت لكم منذ البداية فإنني والله لست من انصار أي شيخ من الشيوخ ولست بمتشدد، إنما أحب أن أعرف الأمور من أصحابها الذين يعتمدين ماصح من القرآن والسنة وأيضا ما يقوله المنطق السليم غير المتشدد..
آمل أن أكون قد وفقت في سرد هذه الأدلة بخصوص مسألة الموسيقى وموقف الإسلام منها، وهي كلها من موقع القرضاوي، وهذا هو رابط كتابه "الإسلام والفن" لمن أراد التعمق أكثر فهو يستحق القراءة:
على بركة الله
ولعلكم لاحظتم بعض الأخطاء المطبعية فيما نقلت لأنني حرصت على أن أكون أمينا ما استطعت في نقلي، ويبقى العبرة بالمعنى، وفي الأخير لا يسعني إلا أن أقول: جازى الله الشيخ القرضاوي عنا كل خير، وأيضا جازى كل من اجتهد في هذا الأمر..
يثبت الموضوع لأهميته.
مني لكم أرق تحية.